م.عصمت عبدالمجيد وحدين
م.عصمت عبدالمجيد وحدين

إستغربتُ قليلاً عندما رأيت صور سفير اليمن في ماليزيا د.عادل باحميد و هو يقدّمُ أوراق اعتماده لجلالة ملك ماليزيا ، السلطان عبدالحميد بن بدليشاه، مطلع هذا الشهر ، و لم يكُن سبب استغرابي كما قد يظن البعض، هو الزي الشعبي الحضرمي الذي ارتداه الأخ السفير أثناء مراسم تقديم الاعتماد، ولا أظنّ أن ذلك يدعوا للاستغراب…(فضلاً عن الاستنكار الذي مارسه البعضُ بِحدّه)، فذلك الزيّ يستدعي للذاكرة الماليزية صوراً مُحبّبة عن أولئك البُسطاء المثابرين السُّمر الذي حلّوا بأرض الملايو وتركوا أثرهم الطيّب على الأرض وساكنيها إلى الحدّ الذي أعاد تشكيل هوية أبناء الملايو على الشكل الذي باتت عليه اليوم، بكل ما تشمله مفردات الهويّة من دين ولغةٍ وعاداتٍ وقيم، وارتداء ذلك الزي كمحاولة لاستدعاء تلك الصور الإيجابية في تلك المناسبة هو أمرٌ إيجابي يصبُّ في خانة الذكاء الدبلوماسي للأخ السفير ويُحسب له لا عليه كما زعم المُعترضون، ولعلّي أُكررُ هنا المقارنة بين فوطة د. باحميد وجنبية د. ياسين سعيد نُعمان التي ارتداها أثناء تقديم أوراق اعتماده كسفيرٍ لبلادنا في بريطانيا، فالجنبية حتماً لا تستدعي أي ذكريات إيجابية في الذاكرة البريطانية، كما أنّها لا تنقل للمواطن الغربي المتمدّن سوى معاني العدائية والتوجّس والنفور… و رغم ذلك لم نسمع أحداً عندنا يعترض على ذلك الزيّ وقتها، وهذا هو الموقف السليم حسب رأيي، طالما أنّ هذا الزي يُمثل جُزءاً أصيلاً من موروث اليمن الثقافي، غير السليم هو الاعتراض على فوطة وكوفية باحميد، وتقبّل كوت وجنبية نعمان، إلا إذا كان الموروث الحضرمي ليس جُزءاً من موروث اليمن الثقافي في نظر المعترضين…فهذا كلامه ثاني!.
وبعيداً عن السفراء وأزيائهم، فإنّ ما أثار استغرابي يومها هي صورة الملك الماليزي المذكور أعلاه، فقد كُنتُ أعلم أن هذا الملك من المفترض أن تنتهي ولايتهُ هذا العام 2016، إذ تولّى حُكم البلاد عام 2011، وكما نعلم، فإنّ ولاية الملك في ماليزيا تدوم خمس سنوات! ونحن -وقت استقبال الملك للسفير- في أوائل ديسمبر.. آخر أشهر العام، بمعنى أن الرجل قد أكمل أعوامه الخمس في السلطة!… وبدأ الفأر يلعب في عبّي، خوفاً من انتقال عدوى تصفير العدّادات إلى هذا البلد الطيّب، لكنّي مع توالي المشاغل، وتسارع دروان عدّاد الأيام، تركتُ الفأر وشأنه…

وفي إحدى سويعات (الفضاوة) التي حظيتُ بها قبل يومين كنتُ أتصفّح إحدى المجلّات الماليزية الإلكترونيّة، وبينما اقرأُ إحدى المقالات عن الإجازات الرسميّة في ماليزيا، فوجئتُ -على الهامش- برابطٍ اقترحه الموقع لموضوعٍ عنوانُه: مراسم تتويج ملك ماليزيا الجديد! فتحتُ رابط الخبر فإذا به بتاريخ 13 ديسمبر!! أي قبل حوالي أسبوعين!… وإذ بي أرى السلطان القديم و هو يفسح المجال لخلفه الشابُّ و هو يوزّعُ ابتسامات الرضا والسرور هنا وهناك! وضربتُ أخماساً في أسداس… أيُعقل هذا؟!..يا ناس …يا عالم، ملك البلاد شخصيّاً يتم تغييره، ونحن نعيش في نفس البلد، ولا يُخبرنا أحد؟!!
نشاهد التلفاز وتصلنا على الأقل صحيفة دورية واحدة، ونتابع أكثر من صفحة فيسبوكّية إخبارية محلّية، ونعرف من هذه وتلك أخبار الأنشطة الاجتماعية، والمعارض السياحية و والأحداث الرياضية، و ارتفاع سعر صرف الدولار و تأرجح سعر البنزين وأزمة ارتفاع سعر زيت الطبخ…. ولا تمرّ عينك أثناء تقليب كل ماسبق على خبر يشير لتغيير رأس السلطة في البلد؟! أين الحملات التلفازية الضخمة التي تذكر المواطنين بمؤهلات وإنجازات فخامته، أو اختلاقها إن لم يكن له إنجازات أو مؤهلات؟ أين اللوحات الإعلانية العملاقة التي تشيد يعظمة الشعب الماليزي العريق الذي جدّد الولاية لزعيمه، أو اختار زعيماً جديداً… على اعتبار أن مجرد وصول زعيم جديد أو التجديد لزعيم (مُستعمل) هو بحد ذاته حدث يستحق عندنا الفخر والاحتفال وإقامة الأفراح والليالي الملاح …من ميزانية الدولة! ثمّ: أين صور جلالة الملك الجديد؟!! لماذا لا أجد طلّته البهيّة على صفحات الجرائد أو جدران المباني أو أعمدة الإنارة ؟!(الله يذكرك بالخير يا بوحمد)

ومن باب الموضوعيه فالخبر حتماً قُرئ في نشرة الأخبار، ووضع في إحدى صفحات الجريدة، وتناولته الصفحات الإلكترونية، لكن كخبر عادي…لا يختلفُ كثيراً عن أخبار الدولار والحفلات والزيت والدقيق!
خبر عادي، يليق بحدث عادي، لا تصاحبه أيّ ضجة أو زخم، لن تشعر به كمقيم في البلد إلا إذا بحثت عنه، ولن يلفت إنتباهك إليه أي مظهر من مظاهر الاهتمام…. لا شعارات في الشوارع، ولا إعلانات تلفزيونية متكررة ، ولا حتى صوره على رأس (كامبه)، لا شئ من هذا إطلاقاً ! علماً بأنّنا نتحدّثُ هنا عن ملك دولة يُضربُ بها المثل في تحقيق قفزات نهضوية قياسية في زمن قصير، لا مسؤول نكرة، أو مُرشّح مغمور في بلد لا يُذكر إلا في إحصائيات الفساد وتقارير البطالة والجهل، والحاجة للمساعدات الإنسانية!

هذا الامر بالغ الغرابة، أوقعني في دوامة استغراب، ذكرتني بأمر غريبٍ كنتُ قد استغربتهُ استغراباً شديداً قبل ثلاث سنوات تغريباً…عفواً…تقريباً….، حيث كنت وقتها أعيش في ولاية جوهور، جوهرة الجنوب الماليزي، و في إحدى صالات الانتظار لأحدى المرافق الحكومية، وقعت يدي على جريدة محلّية، قرأتُ فيها مقالاً موقعاً بإسم: السلطان إبراهيم إبن المرحوم السلطان اسكندر! وهنا مكمن الاستغراب… إنه نفس الإسم الذي أسمعهُ كل جمعة مصحوباً بأدعية مُخلصة من خطباء الجُمعة في كل مساجد الولاية… وليست الغرابة في كون السلطان الحالي يكتب في إحدى الصفحات الداخلية للجريدة، الأعجوبة أنّ هذا المقال كان ردّاً على مقالٍ آخر كتبه صحفيٌ (غشيم) ينتقد فيه استغلال السلطان لنفوذه….للحصول على تسهيلات مُعينة من إدارة المرور بالولاية؟!! وبغض النظر عن حجم التسهيلات التي يمكن أن يحصل عليها سلطان له شنّة ورنّة في سلطنته من إدارة كإدارة المرور، و بدون أن نعقد أي مقارنة بين جلالته، وبين جيش (الفنادم) و(المسائيل) عندنا، والذين الذين يبسط بعضهم نفوذه على أراضٍ لا تمتلك مثلها إدارات المرور في ماليزيا مُجتمعةً، ويسيطر بعضهم على ثروات سيادية ومنافذ حيوية تجعلهم يعيشون هم و حاشيتهم وذراريهم حياة الملوك والسلاطين لأجيالٍ وأجيال، ويتمتعون بإمتيازات وصلاحيات لا يتمتع بها كثيرٌ من سلاطين الشرق والغرب، بغض النظر عن كل ذلك… فاللافت هنا هو أنّ السلطان شخصيّاً، بجلالة قدره، هو من يردُ الإسائة عن نفسه، مما يجعلكُ تتسائل مُجدّداً: أين جموع الكُتاب والإعلاميين والمثقفين الذين ينحصر دورهم في الحياة في التطبيل لفخامة الزعامة وتمجيد أقواله وأفعاله ..وحتى نواياه، ولا يشغلهم شئ سوى الذوذ عن حمى شخصه وعهده ورموز حُكمه، وتخوين وتقريع وترهيب كل من يتجرّأ على المساس بأيٍّ مما سبق؟!

أُفكّر بكل هذا … وأنا غارق في دوامة من الاستغراب الغاضب… استغرابٌ من هذه الأعاجيبِ التي لا نرى لها مثيلاً عندنا، وغضبٌ ممّن حرمونا معايشة مثل تلك العجائب في بلادنا، وفوق هذا وذاك، تغمرني موجة من الحسرة المشوبة بعتبٍ، يُسافرُ عبر الزمن ليطال جدّي الأكبر رحمة الله عليه، الذي كانت السُّفنُ تنطلق من أمام عينيه يوميّاً من ميناء المُكلا، مُيمّمة شطر بومباي، ومنها إلى سيلان فالملايو، ليتجاهلها، ويختار أن يبقى في (البلاد)..بدلاً من أن يرتدي فوطته وكوفيته و يلحق بركب المهاجرين إلى هذه الأرض التي لا يعرفُ أهلها إسم ملكهم، لكنّهم يعيشون جميعاً كالملوك… في بلدهم!

 

المصدر: م.عصمت عبدالمجيد وحدين

التعليقات

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.