محمد بازهير
محمد بازهير

توقف الطبيب عن تشخيص حالة “العم عيسى” مُختتماً حديثه كالعادة “سبق وأنّ أخبرتك أنّ رئتك تسوء يوماً بعد يوم لِتفريطك المُزمن فِيّ تدخين النارجيلة يبدو.. ” قاطع حديث الدكتور، سعال “عيسى” المرتفع، في محاولة للتخلص من المواد التي تهيج ممراته الهوائية، الأمر الذي دفعني لإكمال الحديث عن مزح” يبدو أنك لنّ تعيش أكثر أيّها المشاكس “.

أطلق ” العم عيسى” ضحكته الساخرة، وأردف بعدها ” مازال لدّي الوقت الكثير للعيش يا محُمّد، لقد قطعت الصحراء مِنّ المغرب إلى أهرامات مصر بحثاُ عنّ كنزٍ مدفون، وعشت فيها -أيّ الصحراء- قصة حبّ مع “فاطمة” الفتاة البدوية في رواية “الخيميائي” ، شهدت لحظات عصيبة مسجوناً فيّ روايتي “نصف مواطن محترم” و “قلم النّجار” قبل التمرد والهروب على سفينة خشبية رسمها الأفريقي “شرنُوكه” فيّ جدار السجن و”الأوغاد يضحكون” مَنّ حولنا، ركبت الجمال مِنّ وادي حضرموت إلى المكلا، وعشت في جدّة مع العبد “سالمين” وهو يُهجّن نسَلَ أبناءه “هروباً منّ العبودية” في رواية الأديب الحضرمي ” عمار باطويل” ، تجولت فيّ متحف اللوفر بباريس وشاركت “داون براون” شيفرة “العشاء الأخير” إحدى لوحات “ليوناردو دافنشي” المثيرة للجدل، ومازال لديّ الوقت الكثير للعيش”.

أمّا عنّ طفولتي، فقد تنقلت مِنّ بيت لبيت أكثر من “ماريو بينيديتي” وأنا أرتشف ” “بقايا قهوته” متناولاً تُوست مملوء بحنين الذكريات، وترعرعت مع الشاب “”كلاودي” قبل أنّ تركُلنّي “اليمن” بعيداً عنّ أهلي وحُقولها الريفية كحال زميلك الصحفي ” علي جعبور”، الذي بات أقوى في غربة وبدأ يشق طريقه في الحياة يوماً بعد يوم “.

عندما كنت شاباً عشقت الحمراء في غرناطة أسوة بـ “نزار قباني”، وحجزت مسرح لحالي فيّ القاهرة لأظفر بصوت معشوقتي المطربة الجزائرية “هالة الوافي” لنفسي، فما أشدّ الطمع الإنساني، وأهديتها باقة ورد هدية مِنّ زهر التوليب، كاتباً فيها ” الأسود يليق بكِ”… عشقت “ماريسا ماللو” أكثر من خطيبها الدكتور “دا باركا” التي تبهجك فور مشاهدتها للوهلة الأولى، فيخال إلى ناظريك أنّها قد خرجت للتو من علبة السفرجل متبخترة أثناء تمايلها في سوق “فرونتيرا الكبير”، وأشفقت على حال العاهرات العاملات في بار “لاتومبونا” كُلما تقيأ المحتسون عرق حدادهم السائل المائل للبياض” في أجسامهن الشاحبة المهترئة.

عاشرت “أوباما” الذي حدثني عن “أحلام والده” وصولاً للرئاسة، ناضلت مع “أنور السادات” و “ناجي العليّ” ولمّ أتوقف حتى بعد اغتيالهما، تمردت على الكولومبي “باولو إسكوبار” في اختيار الرصاص بديلاً عن عروض الفضة، واخترعت محلولي الخاص أسوة بالكيميائي “والت وايت يو” لتأمين مستقبل أسرتي قبل وفاتي، وخُضت حُروب المماليك للعائلات السبع في “ويستروس” للسيطرة على العرش الحديدي للممالك السبع، ووجدت صعوبة فّ الشرب لحرماني من الارتواء من نهري “دجلة والفرات” كحال الشاعر العراقي “أحمد مطر” بعد نفّيُه..

تمتم بكلمات أخرى وكأنها أبيات من الشعر الفارسي، كرمز للمجهول الذي تهيم به أرواح البشر، متقمصاً شخصية الأديب المصري “نجيب محفوظ” في “ملحمة الحرافيش” مختتماً حديثه “يبدو أن الحياة تحاول النيل مني، ولكن هيهات.. هيهات، سأزور العالم منزوياً في ركن غرفتي، طالما مكتبتي تزخر بمئات الأحداث والدول والشخصيات التي سأتعرف عليها قريباً “.

المصدر

التعليقات

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.