المُكَلَّا غَيْر..ومنها بشائر الخيرد.علي صالح الخلاقي

ادخلوا المكلا بسلام آمنين..

هذا هو الانطباع الأول الذي يلمسه الزائر لحضرموت وعاصمتها المكلا..وهذا ما تقوله لنا اليقظة الأمنية لجنودنا البواسل التي التمسناها في كل النقاط المؤدية إلى المكلا. أما حينما أوشكنا على دخول المكلا فاسترعت انتباهنا الاجراءات الأمنية المتقنة لأفراد نقاط التفتيش، وعلى الأخص في النقطة الأخيرة التي تتوقف فيها الباصات والسيارات للتفتيش الدقيق قبل دخول المكلا، وما أبهج نفوسنا وجود عناصر نسائية بلبساس النخبة الحضرمية مهمتهن تفتيش النساء، ومثل هذا الأمر نحتاج إليه في نقاط التفتيش على مداخل العاصمة عدن. فتحية وتعظيم سلام لجنود وضباط وقيادة النخبة الحضرمية التي تنتشر نقاطها في كل مكان كحارس أمين على أمن وأمان المواطنين وتحت مظلة علم الجنوب المضمخ بدماء الشهداء وهذا ما زادنا فخراً وإعجاباً.

وخلال مكوثنا لأيام لم نسمع في المكلا بتعدد التكوينات والجماعات العسكرية التي تعج بها عدن بمسمايتها وتبعياتها المختلفة والتي نتمنى أن تندمج في إطار مؤسسي وطني وقيادة موحدة، ومما شد انتباهنا أكثر غياب المظاهر المسلحة فلم نرَ الأطقم الكثيرة ذات الأشكال والألوان وهي تجوب الشوارع بكثرة، ولم نشاهد مدنيين يتجولون بأسلحتهم الشخصية أو يتمنطقون مسدساتهم بزهو وخيلاء مثلما نصطدم به في عدن ، كما لم نسمع إطلاق النار العشوائي ليلاً سواء أكانت ألعاب نارية أو غيرها، على عكس ما نسمعه في عدن التي لم تتخلص بعد من هذه العادة السيئة خاصة في بعض أفراح الزواج التي لا تقتصر على استخدام الألعاب النارية المزعجة بشكل مفرط، بل وقد تستخدم الأسلحة النارية التي نسمع دويها وكأن هناك معركة حامية الوطيس، تذكرنا بأحداث المواجهات مع الغزاة الحوثيين، وأعتقد أنه آن الأون لوضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة التي لم تألفها عدن وتتناقض مع طبيعتها المدنية المسالمة والحضارية.

وكقادم من عدن المُتخمة إلى حد التقيُّؤ بأعمال البسط العشوائي التي تكاثرت كالفطريات وشوهت وجه المدينة وضيّقت شوارعها وقضمت متنفساتها ولم تسلم منها الأملاك الخاصة والعامة، فأن هذه الظاهرة السيئة تكاد تختفي هنا في المكلا، فكان هذا مبعث اعجانبنا، وحتى نكون منصفين فلم نلحظ شيئاً ملفتاً على الأقل في الأماكن والشوارع التي مررنا بها أو تجولنا فيها مشياً على الأقدام أو ركوباً على متن الباص في الأحياء والحارات، أو عند مرورنا في فوة وهو الحي الحديث في المكلا، ولا خلال رحلتنا إلى شحير وغيل باوزير..ولا أخفيكم أنني لشدة اندهاشي وتعجبي من اختفاء هذه الظاهرة قد اتخذت موقعا في مقدمة الباص وجلست بجانب النافذة وأبقيت ترباس آلة التصوير مُشرعاً، وبقيت في جاهزية عالية وأهبة كاملة لعل وعسى أن أصطاد منظراً عشوائيا يخدش جمال المظهر الحضاري لأظفر بصورة له، فلم أفلح، وحمدت الله وشكرته أن المكلا لم تتلوث بهذا الداء الخطير الذي تعاني منه العاصمة عدن بشكل خاص وتفاقم بدرجة كبيرة بعد التحرير حتى فاق ما كان في عهد عفاش،ولا بد من استئناف حملة إزالة العشوائيات التي توقفت فجأة لاجتثاث هذا الداء الوبيل والخطير.

وما أدهشنا أيضاً أنا وكل زملاء الرحلة من أكاديميي جامعة عدن هو الالتزام المطلق بمنع تعاطي القات واجتراره أو تناوله من قبل جميع أفراد نقاط التفتيش اثناء أداء واجبهم، وهذا ما اتضح لنا وتيقنا منه عياناً سواء عند دخولنا المكلا عصر يوم الاثنين الموافق 19 ديسمبر الماضي، أو ما لاحظناه لاحقا خلال مكوثنا في المكلا وتجوالنا فيها أو أثناء زيارتنا للشحير وغيل باوزير حيث كان الالتزام صارما بقرار منع تناول أو تعاطي القات من قبل العسكريين الذين يؤدون واجبهم في جميع النقاط التي صادفناها، وهذا لعمري قرار صائب وحري العمل به في كل المحافظات، وأن يتبعه منع كامل للقات في حضرموت والمهرة وسقطرى كما كان الحال قبل الوحدة المغدورة، أو على الأقل البدء بتحديد بيعه وتعاطيه بيومين في الأسبوع في كل محافظاتنا الجنوبية، وهو ما يترقبه ويتمناه المواطنون وسيلقى تجاوبا طيبا من قبلهم.

ومن الانطباعات التي لا تخطئها العين ذلك النشاط الفكري-الثقافي والأدبي الذي يميز وجه المكلا ويطغى على ما عداه، مقارنة بالجدب والتصحُّر الثقافي والأدبي والفكري الذي ما زالت تعيشه عدن العاصمة الغارقة في وحل المناكفات والجدال السياسي الذي لم تفق منه بعد ويطغي على ما عداه!!. وقد كانت فعالية المؤتمر العلمي الدولي الأول (التاريخ والمؤرخون الحضارمة من القرن السادس وحتى التاسع الهجريين) وما حققه من نجاحات أحد ابرز تجليات المشهد الثقافي الحضرمي المتدفق عطاءً.

ولن آتي بجديد أن قلت أن النظافة عنوانٌ وسِمةٌ عامة في شوارع المكلا، المزدانة بالأشجار والزهور التي يمتزج أريجها برائحة البحر فتنعش النفس، ولم نصادف مَجَاريَ جارية هنا أو هناك كما هو الحال في أحياء عدن حيث المجاري تجاورنا، بل وتجري بحرية على حساب صحتنا. أما الكهرباء في المكلا فلم نشعر أنها انطفأت خلال أيام الزيارة.

وإجمالاً فهذه انطباعات سريعة لرحلة لم تكن سياحية وإنما للمشاركة في مؤتمر علمي، ورغم قصرها إلا أنها تركت انطباعات كثيرة وحسنة في نفوسنا، وأحببت أن أشارككم فيها، وهي انطباعات شخصّية تعتمد على المشاهدة وتَدخُل فيها دون شك عاطفة الحب لحضرموت وأهلها، وهم يستحقون ذلك، خاصة وأنهم يقدمون المثل في السلوك وفي العمل وفي إحراز وتحقيق نجاحات تثير الإعجاب سواء في استتباب الأمن والأمان أو في تطبيع الأوضاع العامة.. ولعلي لا أبالغ أن قلت: المكلا غير.. ومنها تأتي بشائر الخير.

التعليقات

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.