حضارمة المهجر الإندونيسي…  تداعيات رحلة (1)
صالح حسين الفردي

كنت محظوظاً جداً عندما منحني الشيخ محمد سالم بن علي جابر فرصة العمر ضمن فريق مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر،حين وطأت أقدامنا مطار الزعيم التاريخي الوطني (أحمد سوكارنو) بالعاصمة جاكرتا في صباح ماطر ذات يوم من أيام شهر أكتوبر 2016م، لاكتشاف ذلك المجهول الذي احتضن الأجيال الحضرمية الأولى الباحثة عن وطن يمنحها المقر والمستقر فكانت مدن وقرى وجزر الأرخبيل هي الملاذ الحضرمي من شظف العيش وقسوة الحياة.

لقد بدأت خيالاتي تسبقني للرحيل إلى ذلك المجهول الذي لم نستطع أن نقف على أسراره، على الرغم من أن العالم قد صار قرية، إلا أننا عجزنا ولم نزل عاجزين عن فك شفرات ذلك الأرخبيل الذي فجر طاقات الحضرمي منذ مئات السنين وكان – ولم يزل – عنوان فخره وعزته ومجده، وما انفك الحضرمي يستعيد أمجاد أجداده في تلك الجغرافيا الشاسعة،فكلما نظر إلى ذاته وقارب راهنه وجد مدداً حضارياً يمنحه توازناً إنسانياً يحميه من السقوط والقنوط والضياع والتلاشي.

كنت أحمل في خاطري – وقد رحلت – كثيرا من الأسئلة التي تطاردني فتدفعني إلى استنفار كل هواجسي وتستفز فيّ كل أدواتي الصحفية، فأنست – أخيراً – إلى بديهة الالتحام بالتجربة والتماهي معها واستغلال ساعاتها وأيامها في تأمل هذه الظاهرة الجغرافية الإنسانية والتوحد بشخوصها التي ستمنحني طبيعة الرحلة العلمية اللقاء بهم والحديث معهم وإليهم لعل هذه اليوميات تضعني على حافة الحقيقة الشاردة أبدا.

ومثلما منحنا الشيخ محمد فرصة العمر في المكوث لأكثر من ثلاثة أسابيع والتنقل بين عدد من مدن الأرخبيل الإندونيسي فلم يكن بمقدورنا التقاط الأنفاس بسبب الضغط الشديد لبرنامج الرحلة وتنقلاتنا لمسافات بعيدة ممتطين الطائرات تارة وتارة القطارات وأخرى السيارات ولم يتبق إلا المراكب التي كنّا قاب قوسين أو أدنى من ركوبها، كانت هذه التنقلات وتنوع اللقاءات بشخصيات ذوات حضور طاغٍ في المشهد السياسي والثقافي والعلمي والحضاري والتعليمي أوقعنا على كنوز لا تقدر بمال، كنوز فتحت قلوبها وعقولها لهؤلاء القادمين من أرض الأجداد، وحضرموت عند هؤلاء الكبار لها فعل السحر عليهم لا يستطيعون مقاومة إغرائه، فيحرص الجميع على احتضانك كذكرى عطرة وعبق رائق يلتمسون منك حديث الماضي التليد لأجدادهم الذين غادروها وظل الأحفاد وأحفاد الأحفاد يرقبون الماضي عله يرشدهم على سر بقائهم في هذه الأرض الطيبة لمئات السنين.

في هذه المحاولات التي وجدت نفسي مثقلاً بها – بعد انتهاء الرحلة – وأرغمتني – راضياً – العودة إلى الكتابة يسعدني أن أقف متأملاً ما علق بذاكرتي من مشاهد وحكايات ومواقف وسمات وجدتها قارة في الشخصية الحضرمية في الموطن الإندونيسي ولم تزل طازجة تملي علي أسطرها وتبرز شخوصها الرائعة أمام ناظري لتلقنني ما غرسته من صفات نبيلة توصيني بأن أكون منصفاً ليس لذواتها – وهي تستحق ذلك – ولكن لرسم ملامح ذلك البعد الإسلامي الوسطي والتاريخي الإنساني والحضاري الثقافي والوطني الذي تشكله هذه الشخصيات الرصينة والموشاة بخطوط وألوان زاهية هي العمق الأصيل للشخصية الحضرمية التي نبحث عنها ونحاول أن نمسك بها فلا نقوى على بقائها في حضرموت الوطن ولا نستطيع أن نقاربها في حضرموت المهجر، ولكنني في هذه السلسلة من المقالات أحاول أن أوشوشها ما استطعت إلى ذلك شدواً وشجونا..

وللحديث بقية .. وكفى!.

 

التعليقات

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.