حضارمة المهجر الإندونيسي .. تداعيات رحلة(2)
صالح حسين الفردي

لم تزل الشخصية الحضرمية في الأرخبيل الإندونيسي، كغيرها في المهاجر الحضرمية في دول المحيط الهندي والجنوب شرق الأفريقي، عصية الوصول إلى حقيقة تأثيرها وتأثرها الذي سجلته خلال رحلتها – بحثاً عن حياة كريمة – مهما كان الثمن الاجتماعي الخاص الذي تدفعه والإنساني العام الذي تبذله لمواجهة رحلة (التيه) القاصمة لظهر الأسرة والتراكم العائلي العميق في الوطن.

ظللت أحمل هذه الهواجس في رحلة الاستكشاف لموطن هجرة الأجداد، الذين رسمت هجرتهم تلك خارطة جديدة للعالم الإسلامي منذ مئات السنين –بتلقائية ودون قصد – فمنحوها اتساعاً لم يشهده التاريخ الحديث والمعاصر بعد ذلك، هذه الهجرة – التي انطلقت من كل الجغرافيا الحضرمية – لا تحمل في ثناياها إلا فطرة الرحمن ووداعة الدين وبساطة الحياة وعمق الانتماء ونقاء الجذور، ظاهرة مغلقة الأبواب محكمة النوافذ، حتى بعد توقف الكثير من مراكز الدراسات الأوربية والعربية أمام مسيرتها التاريخية وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ولكن! بقي الحضرمي المعدم الذي سجل هذا الانجاز الحضاري الإسلامي غير قابل للتفكيك والتفتيت وإعادة التشكيل.

هذه الخواطر التي رافقتني يوميات الرحلة الإندونيسية، حرصت على إحالتها إلى زوايا الذاكرة في ركن بعيد، وأطلقت لنفسي العنان أتلمّس أسرار الشخصية الحضرمية التي لم تزل تُقبض على جمرة الروح الحقيقية لتلك السمات التي نتغنى بها في تهجٍ يتردد كحالة تعويض تاريخية فارقة لراهنا المأزوم.

أول مواجهة إنسانية وقفت عليها – بمعية فريق المركز – كانت الزيارة الميمونة للرابطة العلوية بالعاصمة جاكرتا، التي بدأت بذروها الأولى في العام 1901م بتأسيس مدرسة جمعية خير، لتفرض عليها الحاجة في العام 1928م تكوين هيئة خيرية تحت اسم الهيئة المركزية للرابطة العلوية، هذه الرابطة التي هي بمثابة إحدى الرئتين التي يتنفس بهما حضارمةالأرخبيل الإندونيسي رحيق الحياة، والأخرى جمعية الإرشاد الخيرية – التي سنعرض لها في مقالنا القادم -فكان في لقائنا لزيارتها السادة: زين بن عمر بن سميط رئيس الرابطة وعبدالرحمن بن عبدالقادر باصرة مدير العلاقات الخارجية والداخلية بالرابطة علوي بن محسن العطاس منسق الزيارة – ولنا معه وقفة خاصة – وعدد آخر من السادة الكرام،في دقائق الزيارة لم تفارقهم روح البشاشة وحلاوة المعشر وطيب الحديث، على الرغم من عدم قدرتهم على التحدث بالعربية بطلاقة، إلا أن دفء اللقاء قد دفع بي إلى محاولة الغوص في هذه الشخصيات التي فتحت قلوبها قبل مقرها العامر واسترسلت في حديث ودي حميم أفضى إلى كسر كل الحواجز التي وضعتها توجسات اللحظة الأولى،إذ وجدتهم حريصين على محاولة الفهم العميق لطبيعة الزيارة وآفاقها المرجوة، ففي البداية أمسك السيد زين رئيس الرابطة بلحظة الترحيب على طريقته -الخاصة – ثم أردف السيد باصرة مكملاً حديث رئيسه (بن سميط)، فكان أن أفرد عدداً من الأوراق التي تحتضن سيرة مختصرة لتاريخ الرابطة وانجازاتها التاريخية، بعدها، دخل الجميع في حالة تماهٍ إنسانية حملت ملامح أولية عن هذه الشخصية الحضرمية في الأرخبيل الإندونيسي وأمدتني ببذرة أولى لغرس آليت على نفسي أن أراعاها فيما تبقى من أيام الرحلة لعلي أخلص إلى ما يشفي غليل الأسئلة التي تتداعى تباعاً في كل لقاء وعند كل حوار وخلال كل مواجهة.

وفي هذه الأسطر استطيع أن أسجل أن لقاء الرابطة وأهلها وسادتها أكد لي أن حضارمة إندونيسيا استوعبوا دروس التاريخ وتجاوزوا صراعات الماضي وأدركوا أنهم – جميعاً – في قارب مهجري واحد تتقاذفه أمواج عاتية من خصوم أكثر عدة وعددا، فأيقنوا أن رئتي المهجر (الرابطة العلوية والجمعية الإرشادية) آن لهن أن تتنفسا بإيقاع المصلحة الحضرمية، وأن يتنافسا في تنوع التجارب وإثرائها بما يخدم مصالحهما الحياتية والدعوية والتربوية، وازددت –يقيناً – أن قيادتيهما تمتلكان حضوراً عميقاً في كل الأرض الإندونيسية.

وللحديث بقية مع جمعية الإرشاد الخيرية.. وكفى!.

 

التعليقات

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.